معركة بنزرت: الدّبلوماسية التونسية تساهم من قلب رومـــــا
بقلم فاخر الرويسي - احتفلت تونس بالذكرى 63 لجلاء القوات الفرنسية من مدينة بنزرت. وهي مناسبة نستذكرها سنويا ما تركته هذه المعركة الحاسمة من آثار في نفوس التونسيين وذاكرتهم الجماعية نتيجة التضحيات التي قدّمها التونسيّون من أجل العزّة والسيادة الوطنية.
بعد أن قرّر الجنرال ديغول تمسّكه بمدينة بنزرت وبقاء قوّاته العسكرية فيها أعلن: أنّ " فرنسا لا ترغب ولا تستطيع الخروج من بنزرت".
كان جواب بورقيبة حاسما وسريعا: "لست الرّجل الذي يتبنّى سياسة فرنسية لا يجد فيها مصلحة بلده، وبكلمة أخرى لست مضطرّا لمغالطة شعبي واللّجوء إلى الكذب... لا أستطيع قبول ذلك وأخيّر المواجهة. "
وكان بورقيبة مصرا على إقناع الشعب التونسي والرّأي العام العربي والعالمي أنّ موقفه ليس مجرّد مناورة ولا يمكن التراجع عن التضحية والمواجهة ولو بإمكانيات متواضعة إن لم تستجب فرنسا وتلتزم بجدولة انسحابها من بنزرت، خاطبا في الجماهير: "يجب أن يعلم الجميع في تونس وفي فرنسا أو في أي مكان آخر بأنّ هذه المعركة جدية وليست أكذوبة".
فرغم أن موقف بورقيبة الصّارم الذي أملته عليه إستراتيجيته السياسية داخليا وعربيا وعالميا فانّه كان يخيّر كعادته الحلّ الدبلوماسي. لكن لقاءه مع الجنرال ديغول ورسالته التي بعث بها إليه مع عبد الله فرحات لم تفلح في رأب الصدع. ولم تزد المساعي الحميدة التي قامت بها هيئة الأمم المتّحدة والبلدان الغربية بورقيبة إلا إصرارا وعنادا للمواجهة وكذلك الشأن بالنسبة للجنرال ديغول الذي رأى في موقف بورقيبة تحدّ للقوة العسكرية الفرنسية ومحاولة للاستنقاص من شأنها. فأصبحت قضية بنزرت صراعا بين زعيمين وعملية ليّ ذراع بين غازِ يمتلك القوّة والسّلاح، وشعب يفتقر لذلك، لكنه صاحب حقّ وإرادة وعقيدة. وتشبث كليهما بموقفه رغم عدم تكافؤ القوى.
في 30 جوان 1961 أقدمت فرنسا على البدء بأشغال توسعة مطار قاعدة "سيدي أحمد"، واعتبر بورقيبة أنّها العثرة التي قامت بها فرنسا لاستغلال الفرصة لتفجير الأزمة والدّخول في مواجهة مسلحة مع القوات العسكرية الفرنسية.
بلغ حماس الشعب التونسي أشدّه فهبّ كرجل واحد من كل أرجاء الوطن إلى نصرة بنزرت. وانطلقت المعركة يوم 19 جويلية 1961.
سالت الدماء وسقط مئات الشهداء والجرحى من الشعب الأعزل. وتفجرت قريحة الشعراء والفنانين متغنّين ببسالة التونسي ووطنيّته ودفاعه عن أراضيه. واكتسح صوت المطربة عليّـــة الشجيّ البيوت والسّاحات العامّة وبنزرت ميدان المعركة بالأغنية الوطنية الرّائعة: "بني وطني":
بني وطني يا ليوث الصدام وجنـد الفـداء
نريد من الحرب فرض السلام ورد العداء
التي كتب كلماتها عبد المجيد بن جدّو ولحّنها الشاذلي أنور في وقت قياسي، وقد ترجمت هذه الأغنية حقيقة الموقف التونسي من قضية بنزرت.
قبل أن يصل الأمين العام للأمم المتحدة "داغ هامرشولد" Dag Hammarskjöld إلى تونس في زيارة استطلاعية ميدانية لمدينة بنزرت. توقف لفترة وجيزة في روما وكان في استقباله بمطار فيوميتشينو سفير تونس بروما الأستاذ فتحي زهير وقائد المطار الجنرال سالاريس.
أحاط فتحي زهير داغ هامرشولد علما بالمستجدّات والوضع المتفجّر بمدينة بنزرت. وشرح له الموقف التونسي ومدى تمسكها قيادة وشعبا بقضيته وبإصرارها على جلاء كلّ القوات الفرنسية عن بنزرت.
وتوجّه هامرشولد مباشرة إلى ببنزرت في نفس اليوم. لكن الجنود الفرنسيين عاملوه بصفاقة وتصرّفوا معه بفظاظة وأساؤوا التعامل معه لمّا كان في طريقه إليها صحبة الباجي قائد السـّبسي.
.jpg)
فتحي زهير يستقبل "داغ هامرشولد" عند حلوله بمطار روما .jpg)
فتحي زهير مع "داغ هامرشولد"
كان فتحي زهير يعيش هذه الأوضاع لحظة بلحظة، تارة مع رفاقه في الكفاح على أرض المعركة وتارة بالسّفارة التونسية بروما، يقوم باتصالاته الدّبلوماسية مناديا بضرورة جلاء القوات الفرنسية عن بنزرت. وكان له التأثير الايجابي من خلال حشد تأييد الصّحفيين والإعلاميين الايطاليين وتحسيسهم للتشهير بفرنسا وفضح جرائمها وقتلها للأطفال والنساء والشيوخ. كما سهّل دخول العديد من الصحفيين الأجانب لتغطية الحرب ببنزرت ونقل صورة حقيقية على مجازر فرنسا. ولقد أتى ذلك أكله، إذ صدرت العديد من المقالات الفاضحة للعجرفة الاستعمارية الفرنسية وتوحّشها بكل الجرائد والمجلات الايطالية والتي أُعتُبرت شهادة حية على ما يجري بساحة المعركة، ساهمت بحق في التأثير على مجريات الأحداث. وتولّى فتحي زهير جمع كل هذه المقالات التي وقع نشرها في الصحافة الايطالية في كتيب طبعه بروما في أوت 1961 ووزّعه على السّفارات والتّمثيليّات المعتمدة في روما. كما كتب مقدّمته التالية التي نشرت بخطه:
.jpg)
Ambassade de Tunisie
Rome
Rome Aout 1961
L’agression française à Bizerte, le massacre des civils désarmés parmi lesquels des femmes et des enfants, les moyens militaires employés par le gouvernement français contre un pays paisible et pacifique, ont soulevé la réprobation de la conscience universelle
Le droit et la justice sont encore une fois bafoués par ceux-là mêmes qui prétendent être les champions de la liberté
Ce recueil qui contient les articles et éditoriaux des journaux et revues d’Italie, reflète la sympathie que l’opinion publique italienne a témoigné à la Tunisie dans un moment historique de sa lutte pour l’intégrité du territoire National
J’adresse à cette Presse qui a appuyé les revendications naturelles du Peuple Tunisien, mes remerciements et lui exprime toute mon amitié
Le Président Bourguiba, le gouvernement, et le Peuple Tunisiens sont déterminés à obtenir l’évacuation totale des troupes étrangères du territoire National
Cette évacuation se fera car elle est conforme au Droit et au cours de l’Histoire
L’Ambassadeur de Tunisie à Rome
F. Zouhir
.jpg)
جريدة Giustiza بتاريخ الثلاثاء 25 جويلية 1961
.jpg)
مقال بجريدة Avanti بتاريخ 25 جويلية 1961 "هامرشولد بتونس لمراقبة الهدنة"
ويظهر في الصّورة فتحي زهير يستقبل داغ هامرشولد عند توقفه بمطار روما في اتجاه تونس.
وبين الثابت والمتغيّر تنتصر إرادة الشعوب على كل طاغ متجبّر.
ساندت فرنسا والأمم المتّحدة اللائحة التي تفرض التفاوض بين البلدين بقصد الجلاء التام على بنزرت وحصلت اللائحة على 66 صوت لفائدتها دون معارضة.
يوم 15 أكتوبر 1963 خرج آخر جندي فرنسي من بنزرت بعد 82 سنة من الاستعمار والحضور العسكري. وأصبح الشعب يحتفل في نفس اليوم والشهر من كل سنة بعيد الجلاء.
فاخر الرويسي
- اكتب تعليق
- تعليق