أخبار - 2026.11.01

جبرئيم، رحلة في البعد الرابع

عشاّق الّلغة العربيّة الصّافية النقيّة، والفكر العميق النابع من الروح والمحلّق في العلا، سوف يسعدون بمطالعة الإصدار الجديد للصحفي والمفكّر عمر صحابو تحت عنوان "جبرئيم، رحلة في البعد الرابع". كتاب رائع يجمع بين استذكار المسيرة الشخصية في انعطافاتها المؤثرة والغوص في ثنايا الروح والايمان. عرفنا المؤلف صحافيا بارزا في تونس والخارج، ومؤسسا لمجلة المغرب، حاور كبار الزعماء والقادة، وصاحب فكر ورأي في الشأن التونسي وكذلك العربي والدولي، ونكتشفه من خلال كتابه الجديد في تجلّياته وروحانياته.

يأتي هذا الكتاب بعد تسعة أشهر من صدور نسخة أصلية منه باللغة الفرنسية، ولئن يحتفظ بعنوانه وبنيته نفسيهما، فإن الأمر يتعلق بإعادة كتابة كاملة بلغة عربية منتقاة بعناية، تستمد ثراءها من كنوز الّلغة العربية وتراثها المتنوع. فعمر صحابو، الذي يتقن اللغتين إتقانًا تامًا، يبدع في كلتيهما، ويتأنّى في اختيار مفرداته، ويمعن في انتقاء اقتباساته، ليمنح كل نص بُعدًا جديدًا وجاذبية متجددة.

وفي تقديمه للكتاب، يحتفي الأستاذ عبد العزيز قاسم بجماليات اللغة ورهافة النظرة إلى النص، قائلًا: "ليس هذا كتابًا يُقرأ، بل كتابًا نعبره… إنه دعوة إلى الإصغاء العميق إلى ذلك الصوت الخفي والدائم، الذي لا يُسمع إلا في صمت الوعي الكامل".

بقلم عبد العزيز قاسم - حين يختارُ رجلٌ متمرّس في نضالات عصره، مؤسسُ صحفٍ ورجلُ سياسةٍ، قولا وفعلا، أن يصرفَ نظره يوماً عن ضجيج العالم ليوجهه نحو أغوار أعماقه السحيقة، فماذا عساه يكتب؟ بالتأكيد لن يكتب سيرة ذاتية مجردة، ولا حصيلة عقلانية لمسيرة عمومية. إن ما يفرض نفسه على الكتابة حينئذٍ ليس سرد الوقائع، بل الصعود البطيء لوعيٍ يصارع ذاته.

في هذا الكتاب، لا يستحضر عمر صحابو مساره المهني إلا لماماً، دون أن يدري تقريبا. ليس ذلك من قبيل الحياء، بل لأن الجوهر يُصنع في مكان آخر؛ حيث تتقاطع الالتزامات الخارجية، أو تتناقض، أو تمتد مع مسار داخلي أكثر قدماً وسريةً ومتطلباً. حيث تتحول تقلبات التاريخ إلى كشوفات عن حقيقة باطنية.

ولأن «الأنا» ليس هو المتكلم على وجه التحديد، يتبنى المؤلف ضمير الغائب، كمن يقف على مسافة من نفسه ليقترب أكثر من الجوهر. هذا الانزياح في الرؤية ليس حيلة أدبية، بل هو لفتة روحية بحد ذاتها فهو يتيح رواية صعود لاهث، متقطع، وأحياناً في حالة دوار، نحو مناطق في الكينونة ممنوعة الدخول، على ما يقال، لا لبعدها، بل لأنها تتطلب عبور مخاوف المرء الخاصة.

ثمة كتب لا تسعى إلى الإثبات ولا إلى الإقناع ولا تتقدم كأنساق، فضلاً عن كونها عقائد. إنها تتقدم كمسالك، بل خرائط غير مكتملة، متشظية أحياناً، لكنها رُسمت بصدق في تضاريس باطنية جابتها طويلاً. والنص الذي بين أيدينا ينتمي إلى هذه السلالة النادرة. إنه لا يَعظ، ولا يجادل، لا يدين ولا يسعى للتبشير. إنه يشهد وبشهادته تلك، يطرح السؤال.

مؤلف الكتاب هو، في آن واحد، متجذر في عصره ومسكون بزمنية أرحب. فكره صُهر في احتكاك حيوات متراكبة: حياة عامة وحياة عائلية، التزام سياسي وتَعَرُّضٌ إعلامي، ولكن قبل كل شيء حياة باطنية مطبوعة بإصرار عنيد على الانسجام بين ما يُعاش، وما يُفكر فيه، وما يرجى. لم يكن هذا المطلب يوماً خارج التربة؛ بل تجسد في المنفى، في مواجهة السلطة، في الظلم المسلط، في إنهاك الشك والاستمرارية في طلب المعنى.

هذا الكتاب لم يكتبه لاهوتي، ولا عَقَدِيٌّ بالأحرى. إنه عمل روحٍ متمردة، تشكلت في كنف الثقافة العربية الإسلامية، وتغذت من عصر الأنوار ومساءلات الحداثة الغربية، ثم انفتحت تدريجياً على حكمة عابرة للحدود المذهبية. يتقدم المؤلف هنا بوجه مكشوف، لا يخفي انكساراته ولا ضياعه. يجرؤ على تسمية الخوف الملقن منذ الطفولة، خوف الإله القاضي والمعاقب، وعلى الإفصاح عن الارتباك أمام تناقضات النصوص، وعن الشعور بالضيق أمام العنف المرتكب باسم المقدس. لكنه يصدع أيضاً بنداء المطلق المستمر، والانجذاب الذي لا يقاوم نحو ذكاءٍ محبّ، نحو هذا «الساعاتي» الذي لا يمكن خلط حضوره بالاستبداد أو القسوة.

في صميم الكتاب يكمن سؤال ببساطة رهيبة: كيف نوفق بين الله والحب، بين الحرية الإنسانية والعدل الإلهي، بين تنوع الأديان ووحدة المبدأ؟ هذا التساؤل ليس نظرياً، بل يمتد عبر وجود كامل. من خلال القراءات واللقاءات الحاسمة، والصمت القسري والإنبتاتات المتتالية، ارتسمت رؤية متأنية، رؤية توليفية، متحررة من القيود العقائدية، دون أن تقطع يوماً مع الشعور بالمقدس.

هذه الرؤية المعلنة لا تخلو من جسارة؛ فهي تزعزع اليقينيات الموروثة وتقترح قراءة  جراحية للتقاليد وهي تتضمن، كمفتاح للانسجام الميتافيزيقي، مفهوماً ظل مهمشاً طويلاً هو التناسخ. لا كمعتقد غريب، بل كفرضية للمعنى تتيح إعادة التفكير في العدالة والمسؤولية والحرية والذنب والخلاص. لا شيء هنا يُفرض، بل كل شيء يُقترح كأفق للفكر.

يروي الكتاب أيضاً تحولاً في الهوية. عمر، جبرئيم ، إيمانويل، رفيق: هذه الأسماء المتتالية ليست من باب اللعب أو الإثارة. إنها تشير إلى طبقات كائن في طور الصيرورة، يسعى إلى مطابقة اسمه مع درجة وعيه. ومن خلالها ترتسم قناعة عميقة: الإنسان ليس محكوماً بتكرار إرثه؛ يمكنه أن ينمو، أن يتخلص من الخوف، أن يفك حصار الشعور بالذنب ليستعيد، وراء الأشكال، الوحدة مع المصدر.

ويشكل الشعور بالذنب أحد المحاور الكبرى لهذا المؤلف. فمن خلال تأثره بـكتاب  «الدرس في المعجزات»، يقترح المؤلف قراءة جذريّة للسقوط، لإبليس وللانفصال. فالخطيئة الأصلية لم تعد حكماً إلهياً بل معتقداً خاطئاً: معتقد إمكانية القطيعة مع المطلق. هذا الحدس يتقاطع مع أصوات كبرى في الروحانية الإسلامية – ابن عربي، الرومي، الغزالي – ويتحاور مع حِكَمِ الشرق، ومع بعض فرضيات الفلسفة والفيزياء المعاصرة.

لم يعد العالم حينئذٍ يبدو كواقع جامد، بل كتجربة، كمسرح للوعي. "الخيال" الصوفي، "المايا" الهندوسية، "الفراغ" البوذي، أو حتى الفكرة الحديثة عن الكون- المحاكاة، كلها تلتقي هنا نحو دعوة واحدة: تحويل النظرة دون إنكار الواقع.

هذا النص ليس بالرواية ولا بالدراسة ولا بالمرشد، بل يقع في فضاء أشد ندرة: فضا يوميات وعيٍ في طور التحول. جبرئيم ليس نموذجاً هنا، بل هو إنسان في حالة مخاض، تصبح لديه العوائق الصغيرة، أو تعطل سيارة، أو حشرة مزعجة، أو ضيق مالي، إلى مؤشرات. فالعاديّ هنا مشحون بالعمق.

البُعد الرابع ليس خارج المكان، بل هو طريقة حضور، طريقة لسكنى العالم دون الخضوع لسلطة الخوف والمحاسبة والشعور بالذنب. هذا التحول في الرؤية لا يمر عبر زهد استعراضي أو اعتزال للعالم، بل عبر تجلٍ صامت للتجربة اليومية.

ثمة علامة لا تخطئ: الفرح. ليس الفرح الساذج، بل فرح واع، محير أحيانا يباغت المرء تماماً حيث كان " الأنا" ينتظر الشكوى. هذا الفرح يصل إلى حدود الفكاهة، بما في ذلك تجاه المقدس. فإلاه هذا الكتاب – «فاموذر» – ليس تجريداً صارماً، بل حضوراً حياً، لاعباً أحياناً، لا يرى في الضحك إساءة، بل علامة اعتراف.

لا شيء خَطٌّيٌّ في هذا المسار. التقدم حلزوني. كل خطوة للأمام تحمل هشاشتها. كل سقطة تصبح استيعاباً. «الأنا» لا يختفي، بل يتحول. ومن هنا تأتي ضرورة اليقظة المستمرة ورفض وهم الإتمام.

ليكن في علم القارئ: هذا الكتاب لا يُقرأ، بل يُعْبَر. أثره لا يأتي من البرهنة بقدر ما يأتي من الاستجابة. سيتعرف كل قارئ في صفحاته – أو لا يتعرف – على جزء من طريقه الخاص وسيبقى كل واحد حراً في الانخراط أو الممانعة أو في تأجيل حكمه. لأن هذه الأوديسة ليست نقطة وصول، بل هي دعوة للإصغاء، في الأعماق، لهذا الصوت الخفي والمستمر الذي لا يُسمع إلا في صمت الوعي.

عبد العزيز قاسم
 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.