أخبار - 2026.10.26

وَقْفَةٌ عِنْدَ مَوْقِف تونس من غزو العراق للكويت، في كتاب "السفير محمد جنيفان: مسار وتحديات ومواقف"

بقلم محمد إبراهيم الحصايري - لقائي مع السفير محمّد جنيفان "على الورق" كان، على غرار لقاءاتي "الحيّة" معه كل مرَّةٍ، ممتعا ومثريا: ممتعا لأنَّ له أسلوبا متميِّزًا في التعبير والتحرير، ومثريا لأن مساره السياسي والدبلوماسي كان حافلا بالأحداث والوقائع.

وهذا ما يلمسه من يقرأ كتاب "السفير محمد جنيفان: مسار وتحدّيات ومواقف" الذي أتحفتنا به "الجمعية التونسية لقدماء السفراء والقناصل العامين" في مفتتح موسم لقاءاتها الجديد، بعد أن تعاونت، طيلة الصائفة الماضية، مع "مؤسسة ليدرز"، على نشره.

فللجمعية وللمؤسسة جزيل الشكر وجميل الثناء على ما بذلتاه من جهود من أجل المساهمة في الحفاظ على الذاكرة الوطنية في الحقل الدبلوماسي.
وإنّني لأجد نفسي في غنى عن الإطناب في الحديث عن خصال السفير محمد جنيفان الإنسانية والمِهَنِيَّةِ، وعن خصائص طريقته الطريفة الظريفة في التواصل والتفاعل مع مختلف مخاطَبِيهِ، ففي المقدّمة التي وضعها وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي للكتاب، وفي المداخلات التي ساهم بها خلال جلسات التسجيل، وكذلك في الشهادات التي جاءت على لسان العديد ممّن عملوا معه، وخاصة منهم السفير الهادئ بن نصر رئيس "الجمعية التونسية لقدماء السفراء والقناصل العامين"، وفي الكلمتين اللتين اختتم بهما كل من السفير المكي العلوي والسفير عبد الوهّاب الجمل الجلسات، ما يوفيه حقَّهُ المُستَحَقَّ عن جدارةٍ، من الإطراء.

بَيْدَ أنَّني في المقابل أريد أن أؤكد أنني أقبلت على قراءة الكتاب باهتمام بالغ، وتتبعت، عن كثب وبدقة، مختلف المراحل التي استغرقتها رحلته الدبلوماسية الطويلة التي قادته إلى كل من بغداد كقائم بالأعمال، ثم بيروت كسفير، ثم طرابلس كمندوب عام، ثم الرياض كسفير ومندوب دائم لدى منظمة المؤتمر الإسلامي، فالمنامة فدمشق كسفير وفي آخر المطاف، القاهرة كسفير وكممثل لتونس لدى جامعة الدول العربية.

ولأنّني حريصٌ على أن أترك لمن لم يقرأ الكتاب مُتعةَ اكتشاف محتواه الثري، فإنّني لن أستعرض ما جاء فيه من معلومات ومن مواقف وآراء، لكنني، مع ذلك، سأسمح لنفسي بوَقْفَةٍ عند رأي استرعى انتباهي بصفة خاصة، لأن السفير محمد جنيفان ألحّ عليه سواء في حديثه خلال جلسات التسجيل، أو في المحاضرة التي ألقاها حول "سياسة تونس الخارجية: الثوابت والمتغيرات" بمناسبة الاحتفال بستينية وزارة الشؤون الخارجية، والتي حرص على أن تكون مسك ختام الكتاب...

هذا الرأيُ يتعلق بموقف تونس من غزو العراق للكويت في 02 أوت 1990، فلقد اعتبر السفير محمد جنيفان هذا الموقف ثالثَ ثلاثةِ مواقف يرى أن بلادنا جنحت فيها عن ثوابتها، ويتعلق الموقف الأول بمعركة بنزرت التي يقول إنّ  بعض الباحثين والمحللين من السياسيين والعسكريين في الخارج وفي بعض الأوساط التونسية رأوا فيها "جنوحا غير مبرَّر عن ثابتة مركزية في سياسة بلادنا الخارجية، وهي الالتزام بتغليب منطق الحوار والتفاوض والوسائل السلمية على الخلافات والمنازعات" (ص 331)، أما الموقف الثاني فهو يتعلق بإمضاء الرئيس الحبيب بورقيبة يوم 12 جانفي 1974 وثيقة جربة الوحدوية مع العقيد معمّر القذّافي، وقد وصف هذا الإمضاء بالعملية المُحَيِّرَةِ وتساءل عنها، دون قدرة على الجواب، قائلا: "أهي جنوح أم شبه جنوح؟ أم هي حادثة تستعصي على التوصيف والتصنيف؟ (ص 335)...

ولدى تطرّقه إلى موقف تونس من غزو العراق للكويت في المحاضرة، يؤكد السفير محمد جنيفان أنّ: "من أبرز حوادث الجنوح عن الثوابت المعلنة في سياسة بلادنا الخارجية، تلك التي حاد فيها الموقف التونسي عن نصرة قضايا الحق والعدل في عهد الرئيس الثاني للجمهورية، ففي 2 أوت 1990 غزت قوات العراق بأمر من الرئيس صدام حسين دولة الكويت الشقيقة العربية وأنهى من جانبه وجودها الدولي وألحقها بالعراق ولاية من ولاياته. فكان رد أغلب دول العالم وخاصة العربية والإسلامية التنديد بما اعتبرته عدوانا وانتهاكا للمواثيق الدولية ودعت الطرف المعتدي الى سحب قواته من الكويت وانهاء عدوانه وأعربت عن عزمها العمل على رد العدوان ومساعدة الكويت على استرجاع سيادتها" (ص 335/336).

ثم يلاحظ أنّه "لم يشذّ عن هذه المواقف إلا دول محدودة كانت من بينها الجمهورية التونسية التي جاء أولُ بيان أصدرته وزارة الخارجية، تبيانًا لموقف بلادنا من الغزو، معبّرًا عن القلق البالغ من التدهور العسكري في النزاع العراقي الكويتي، وأن ما يهمها هو المحافظة على التضامن والوحدة العربيين، واقتناعها أن الجامعة العربية تبقى الإطار الملائم لتسوية الأزمة في سبيل السلمية" (ص 336).

وقد أوضح في جلسات التسجيل التي توسّع خلالها في الحديث عن حيثيات الموقف التونسي أن الموقف الذي عبّر عنه بيان وزارة الشؤون الخارجية جاء مخالفا للموقف الذي كان وزير الشؤون الخارجية آنَئِذٍ إسماعيل خليل اقترح على رئاسة الجمهورية إصداره، وهو موقف صاغه بالتشاور مع أعضاء الوفد التونسي الذي كان يستعد للمشاركة في مؤتمر وزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي بالقاهرة والذي كان السفير محمد جنيفان أحدهم باعتباره سفير تونس بالرياض ومندوبها الدائم لدى المنظمة.

يقول في هذا الصدد: "سافرت إلى القاهرة يوم 29 جويلية 1990، وانضممت إلى الوفد التونسي بقيادة وزير الخارجية إسماعيل خليل. وبينما كنّا في غمرة النقاش وترتيب الأولويات والجدل الدائم بين أعضاء المؤتمر من كبار الموظفين والوزراء، أفَقْنَا فجرَ يوم 2 أوت 1990 على هول أنباء مُعْلِنَةٍ أن العراق غزا دولة الكويت واحتلها لتصبح إحدى محافظاته" (ص 200).

ويضيف قائلا: "اجتمع الوفد التونسي، صباح ذلك اليوم بالفندق الذي كنا نقيم فيه، وأشرَكَنَا وزير خارجيتنا في تحرير مشروع للموقف التونسي تجاه هذا الحدث الجلل. الفكرة الرئيسية للموقف كانت، بتوجيه من الوزير، واتفاق آراء الحاضرين، إدانة الغزو والدعوة الى انسحاب القوة الغازية، ودعم حرية الكويت وسيادتها"، ثم يذكر أنه تدخل في النقاش، فيقول: "خلال مناقشتي بعض الكلمات المتعلقة بالإدانة، أبديت رأيا يدعو إلى ضرورة التخفيف من حدّة صيغة الإدانة لضمان التأثير الأدبي على العراق وتسهيل انسحاب جيشه فقال لي الوزير: "هل أصبحت بسرعة كأنك مباشر لمهمة سفيرنا في بغداد؟" (ص 201).

ومع ذلك، فإن الوزير إسماعيل خليل "لمّا أبرق مشروع الموقف كما حررناه تلقى من الرئيس بن علي مكالمة مُؤَنِّبَةٍ، ولمّا عاد الى تونس وجد الموقف التونسي الذي اختاره بن علي مناقضا للمشروع الذي رآه الوزير مناسبا لتونس في هذه الأزمة" (ص 201).

وعن هذا الموقف وتداعياته يقول السفير محمد جنيفان إنّه "بالنسبة لتونس التي اختار رئيسها موقفا مُجَارِيًا للموقف الشعبي في بلاده أعفي وزير الخارجية إسماعيل خليل صاحب الرأي الداعي الى الوقوف ضد عدوان صدام، وعيّن مكانه الحبيب بولعراس وبدأت الدبلوماسية التونسية تخوض حربها الناعمة في مواجهة أغلبية عربية ودولية داعمة لتدخل عسكري دولي ضد العراق، بينما تعلن تونس أن حل الأزمة ينبغي أن يكون داخل المجموعة العربية" (ص 202).

وفي معرض تفسيره لأسباب هذا الموقف الذي يقول إن كثيرين استغربوه والذي جعل الرئيس بن علي يقاطع القمة العربية الطارئة التي انعقدت بالقاهرة في 10 أوت 1990، لاتخاذ موقف عربي مشترك، يسوق السفير محمد جنيفان ثلاثة أسباب يرى أنها تكمن وراء اتخاذه وهذه الأسباب هي التالية:

• السبب الأول هو أنه جاء نتيجة "خطأ في قراءة المتغيِّر الإقليمي في المشرق العربي"،
• والسبب الثاني أنه ناجم عن "العلاقات المتينة وذات البعد الاستراتيجي بين الرئيسين (بن علي وصدام) تمخّضت عنها زيارة قام بها الرئيس التونسي لبغداد بُعَيْد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية".
• أما السبب الثالث فهو يتمثل في "تأثُّرِه بحاسّة الرئيس الأمنية في قراءة المشهد الشعبي وردود فعله في العالم العربي عامة وفي تونس خاصة، وربما كان يسعى لاستباق رد فعل الطبقات الشعبية وخاصة التيارات الإسلامية التي انحازت بأغلب قادتها الى جانب القيادة العراقية" (ص 336).

ويستخلص السفير محمد جنيفان من كل ما تقدم أنه "ومهما كان سبب الموقف الرسمي التونسي فلا مناص من اعتباره انتهاكا واضحا لثابتة الوقوف إلى جانب القضايا العادلة ونصرتها" (ص 337)...

وهذا الحكم الجازم الحاسم على الموقف التونسي قد يكون، ولو جزئيا، راجعا إلى وجود السفير محمد جنيفان في المملكة العربية السعودية إبان اندلاع أزمة غزو الكويت، وإلى الحرج الذي ربما كان يشعر به عند القيام ببعض المهام التي كلّف بها، أو الاتصالات التي كان يجريها لا سيما وأن دولا عربية عديدة وخاصة في منطقة الخليج "اعتبرت الموقف التونسي خروجا عما عرفت به البلاد من واقعية وعقلانية واعتدال وكانت الكويت والسعودية أساسا أكثر المتعجّبين الشاعرين بالمرارة من الموقف التونسي" (ص 202).

وكنماذج من هذه المهام والاتصالات "المحرجة" يمكن أن نذكر حسب ما أدلى به خلال جلسات التسجيل:

• المقابلة التي أجراها مع الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي في جدة، بدعوة من الأمير الذي أبلغه خلالها "أن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد يرغب في أن توجه تونس قوات عسكرية للمشاركة الى جانب القوات العربية الأخرى في الدفاع عن أنفسهم من الخطر المهدد"، وقد تأكد له من خلال المحادثة "أن السعودية ترحب بالمشاركة التونسية ولو بعدد قليل من الجنود، ويكفيها فقط أن تُعَدَّ تونس من بين المشاركين في الحرب إلى جانبها"، وهو كما يستخلص "موقف فيه كثير من الدهاء" (ص 203).
• حضوره المقابلة التي أجراها مبعوث شخصي من طرف الرئيس بن علي (لم يذكر اسمه) مع الملك فهد وذلك لتسليمه "رسالة تتضمن مبادرة تونسية وكان الهدف منها إنهاء النزاع بصورة سلمية في وقت كانت الحرب تبدو حتمية" وقد رأى خلال هذه المقابلة "كيف يستطيع البلد فعلا أن يظهر غير ما يبطن من موقف" (ص 203).
• تكليفه، وهو في غمرة الاستعداد لمغادرة المملكة العربية السعودية، بمهمة وصفها بأنها "من أخطر المهام على نفسه، وهي تتمثل في تمرير أفكار موجَّهَة الى أمير الكويت اللاجئ في السعودية".  وقد قام بهذه المهمة في 31 أكتوبر 1990 حين تمكّن من الالتقاء بوزير الخارجية الكويتي آنئذ الشيخ صباح الأحمد الجابر المرابط بجوار أمير بلاده في مدينة الطائف بالسعودية"... وقد سمع خلال هذا اللقاء "عتابا مرّا" من الكويت على تونس "مبعثه الاخوة والاعتقاد بأنها تكون دائما مع الحق وخاصة إذا كان البلد المظلوم شقيقا يحبها وتحبه" فخرج منه كما يقول "مقتنعا بكل ما قاله، ولكنّي لم أبد له أي شيء مما كنت مقتنعا به ولا خالفته فيما قال. ودعته وأنا موقن أنه سيعود منتصرا من الدعم الدولي الذي استطاعت بلاده أن تحشده بمساعدة السعودية بالذات" (ص204/205)...

وخلاصة القول هي أن السفير محمد جنيفان الذي كان قبل اندلاع الأزمة يستعد للانتقال من الرياض إلى بغداد، لكنّه خُيِّرَ بعد "عاصفة الصحراء" بين العودة إلى تونس أو الانتقال إلى المنامة، يرى بل ربما يعتقد أنه "ورغم ما حف بالحرب التي شنت على العراق من عوامل أثارت بعض التعاطف مع صدام، فقد أثبتت تطورات القضية صواب الموقف الذي دعت اليه برقية إسماعيل خليل الذي غادر بسببه وزارة الخارجية. وانخرطت تونس فيما بعد، حين تبين لقيادتها خطأ تقديرها للموقف في عمل شاق حاولت به تفادي النتائج الوخيمة لمراهنتها على الحصان الخاسر" (ص 205/206)...

والرأي عندي، وقد عشت من جانبي أطوار الأزمة وواكبتها عن كثب حيث كنت في ديوان وزير الشؤون الخارجية، أن هذه الرؤية تحتاج إلى المراجعة أو على الأقل إلى شيء من التنسيب، ذلك أننا حين نعود إلى الكتاب الذي أصدرته الوزارة الأولى (كتابة الدولة للإعلام)، بعد أن وضعت الحرب الأولى التي شنتها الولايات المتحدة وحليفاتها الغربية والعربية على العراق أوزارها، تحت عنوان "تونس وأزمة الخليج: مواقف ووثائق" نقرأ في التمهيد أن "الهاجس الأول والأخير المحدِّد لمرتكزات الموقف التونسي وجوهره هو تجنب الخطر الداهم، ألا وهو خطر الحرب والدمار، خطر التشتت العربي وفقدان إمكانيات التنمية، خطر اضمحلال القيم والمبادئ الدولية، وانتشار قانون الغاب من أية جهة كانت وفي أي مكان من العالم، وبكلمة واحدة تغلّب منطق القوة على قوة المنطق" (ص 8).

ويضيف التمهيد أن "كل هذه المخاطر كانت تدركها تونس إدراكا تاما ونبّهت إليها بكل مسؤولية وروح قومية عالية رائدها في ذلك صيانة المبادئ التي تقوم عليها العلاقات العربية والدولية المهدَّدَة في الصميم، في صورة عدم الإسراع بتطويق الأحداث ومعالجة الأزمة قبل استفحالها" (ص 8).

وتفصّل المذكّرة التي تلت التمهيد مباشرة، والتي جاءت تحت عنوان "مذكرة عن موقف تونس المبدئي من قضية الخليج وتجلياته في التعامل معها" المبادئ التي قام عليها الموقف التونسي من هذه القضية، فتذكر أن هذه المبادئ تمثلت فيما يلي:

• التمسك بالشرعية الدولية وفق ما ينصّ عليه ميثاق الأمم المتحدة وميثاق جامعة الدول العربية.
• المطالبة بانسحاب القوات العراقية من الأراضي الكويتية.
• نبذ استعمال القوة والدعوة الى اعتماد الحوار والتفاوض كأسلوب لإيجاد حل للنزاع.
• التأكيد على ضرورة حصر حلّ الخلاف في إطار عربي" (ص 13).

وفي خصوص المبدإِ الأخير وتحت عنوان "حصر حل الأزمة في الإطار العربي" تشير المذكرة إلى أن تونس رفضت حضور القمة العربية المنعقدة بالقاهرة في 10 أوت 1990 "حتى لا تشترك في إضفاء الشرعية على التدخل العسكري الأجنبي في البلاد العربية وبالتالي تدويل القضية وتعقيدها" (ص 16).

ثم إن تونس العربية المسلمة، كما جاء في بعض النصوص التي تضمنها الكتاب "لا تقبل إعطاء شرعية وهمية للتدخل الأجنبي في قضايا الأمّة مهما بلغت من حدّة، لأنها تعتقد أن ذلك لا يخدم المصالح العربية ولا السلم والأمن في المنطقة، بل يزيدها تعقيدا بتدويل القضية ودفع الأطراف الأساسية فيها الى مزيد الإصرار والتشدد" (ص 36).

والى ذلك فإنّ ما آل اليه الوضع في منطقة الخليج وانعكاساته على الساحة العربية يحمل على التساؤل بمرارة "عن جدية التعلل بالشرعية الدولية لإنزال القوات الأجنبية في الأرض العربية"... خاصة وأننا "خبرنا هذه الشرعية من خلال المحنة الفلسطينية المزمنة، واحتلال الأراضي العربية، واجتياح لبنان، وقمع الانتفاضة رغم القرارات الأممية العديدة"... كما إن الأحداث بينت "أنّ الشرعية وما تستند إليه من مبادئ لا تساوي شيئا أمام المصالح الحيوية للدول القوية، بل تتكيف حسب هذه المصالح وحسب العلاقة بالجهات المطلوب إدانتها" (ص 36).

والمتأمّل، ولو قليلا، فيما آلت إليه أوضاع الأمة العربية، وخاصة الأوضاع في الشرق الأوسط والخليج، هذه الأيام، لا مَهْرَبَ له، إن كان يتمتع بحد أدنى من الموضوعية، من أن يُقِرَّ، ولو في قرارة نفسه، بأن تعاقب الأحداث، وتتالي النكبات التي  حلّت بالعرب على امتداد ما يناهز العقود لأربعة الماضية، أثبتا صواب الموقف الذي اتخذته تونس من خطإ، بل من خطيئة إعطاء الضوء الأخضر للتدخل الأجنبي في المنطقة العربية الذي تحوّل مع مرور السنين، إلى تغلغل حقيقي، وفي بعض الأحيان إلى احتلال فعلي كما وقع للعراق على يد الولايات المتحدة، وكما يقع لسوريا ولبنان الآن على يد إسرائيل المُتَغَوِّلَة التي تعمل، بدعم مطلق من واشنطن، على الهيمنة على الشرق الأوسط...

والمؤلم والمخيف في آن واحد هو أن حالة الانحدار والتهالك التي ما فتئت المنطقة تعاني منها لا تلوح في الأفق أية بوارق أمل في الخروج منها بل إنها مرشحة للتفاقم أكثر فأكثر في ظل حرب الإبادة التي تواصل إسرائيل شنها على قطاع غزة منذ أكثر من ثلاث سنوات، وفي ظل تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية لجعل قيام الدولة الفلسطينية أمرا مستحيلا، ونتيجة الحرب التي تستعد إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لشن شوطها الثالث على إيران، بعد أن كانتا شنّتا عليها شوطها الأول في جوان 2025، وشوطها الثاني في فيفري 2026.

وجملة هذه التطورات وما يرافقها من تعقيدات يرشّح المنطقة للدخول في حقبة عاصفة جديدة من التقلبات والاضطرابات والصراعات والتوترات والفوضى ستتمكن إسرائيل والولايات المتحدة خلالها من إحكام التحكم في أعناق العرب وأرزاقهم لسنوات، بل ربما لعقود قادمة عديدة...

محمد إبراهيم الحصايري

السفير محمّد جنيفان، مسار وتحدّيات ومواقف 
إصدار الجمعية التونسية لقدماء السفراء والقناصل العامين
دار ليدرز، 2026، 338 صفحة، 45 د
متوفر بالمكتبات
وعلى المنصة الالكترونيةwww.leadersbooks.com.tn 
(التوصيل مجاني)  

قراءة المزيد

•  في حوار شيق، تقديم كتاب مذكرات السفير محمد جنيفان (ألبوم صور) 

• صدر حديثا: "السفير محمّد جنيفان، مسار وتحدّيات ومواقف" 



 

هل أعجبك هذا المقال ؟ شارك مع أصدقائك ! شارك
أضف تعليق على هذا المقال
0 تعليق
X

Fly-out sidebar

This is an optional, fully widgetized sidebar. Show your latest posts, comments, etc. As is the rest of the menu, the sidebar too is fully color customizable.